براد استلستين حكايات روز أمين

لمحة نيوز

وليد طول عمره عينه على الشقة دي، شقة تمليك في مكان حيوي وبثمن غالي. وطالما البنك قفل في وشه الحنفية، مابقاش قدامه غير إنه يلعب على الثقيل.
تاني يوم الصبح، نزلت رحت لأستاذ عادل المحامي تاني.
قلتله يا أستاذ عادل، أنا مش مأمنة لوليد. الراجل ده ممكن يزور عقد بيع، أو يعمل أي لُعبة ياخد بيها الشقة دي بعد عمري، أو يطردني منها وأنا عايشة.
أستاذ عادل ابتسم وقالي ولا يشغل بالك يا حاجة فايزة. إحنا هنعمل حاجة اسمها عقد بيع نهائي مع الاحتفاظ بحق المنفعة والرقبة لدار الأيتام، وهنسجله شهر عقاري. يعني طول ما إنتي عايشة، محدش يقدر يهوب ناحية الشقة ولا يملك فيها طوبة، وبعد عمر طويل الدار تستلمها بالقانون، والورق ده لو دخل المحكمة يهد أي تزوير.
عملت الكلام ده كله ومضيت وشهرت العقد، ورجعت وكأن جبل انزاح من فوق كتفي.
تمر الأيام، وفي يوم الجمعة بعد الصلاة، لقيت الباب بيخبط، بس خبطة خفيفة.. خبطة مكسورة.
فتحت، لقيت كاريمان واقفة لوحدها. مكنتش لابسة الهدوم الماركات ولا الشياكة بتاعة زمان. كانت دبلانة، وتحت عينيها أسود، وماسكة في إيدها شنطة صغيرة.
بصتلي وعينيها اتملت دموع وقالت بصوت مرعش ماما.. أنا اتهنت أوي. وليد اتمسك في البنك، والعربية اتسحبت، وعمال يشتمني
ويضربني ويقولي أمك السبب، خربتي بيتي.. أنا سيبتله البيت وجيتلك.. ماليش غيرك يا ماما، ادخل؟
وقفت على الباب، قلبي الأم اللي جوايا تحرك خطوة، بس العقل والوجع رجعوه عشرة. شفت في عينيها نفس النظرة القديمة.. هي مش جاية عشاني، هي جاية عشان لما الدنيا ضاقت بيها ملقتش ملجأ بلاش غير حضن أمها اللي كانت بتستغله.
قلت لها وأنا ساندة على الباب بيتك ومطرحك يا كاريمان، تدخلي تاكلي وتشربي وتقعدي على راسي.. بس بصفتك بنتي اللي ملهاش حد.. مش بصفتك كاريمان اللي جاية وراها مشاكل وليد والبنك. ورق الشقة اتقفل، والفلوس اللي في البوستة اتسحبت، وأنا معاشي يا دوب بيكفيني أنا وأم أحمد جارتي لما بنجيب لقمة ناكلها. لو هتقعدي هنا على القد، ومن غير سيرة وليد ولا فلوس، أهلاً بيكي. هتبكي على الأطلال وعايزاني أحل لك مشاكلك بالفلوس.. يبقى تبيعي الشنطة اللي في إيدك دي وتسددي ديون جوزك.
كاريمان بصتلي بذهول، كأنها مكنتش مصدقة إن فايزة الغلبانة الطيبة، اللي كانت بتشتغل أوفر تايم في البوستة عشان تجيب لها فستان العيد، بقت بالصلابة دي
كاريمان بصت في الأرض، ومسحت دموعها بكم عبايتها، ودخلت من غير ولا كلمة. حطت الشنطة على الأرض وقعدت على الكنبة وهي حاطة راسها بين إيديها.
أنا مقلتش
حاجة، دخلت المطبخ وعملت لها لقمة تاكلها.. حتة جبنة قريش وطماطم ورغيفين عيش ناشفين من اللي باكل منهم. حطيت الصينية قدامها وقلت لها كلي يا بنتي، لقمة تقيم صلبك.
بصت للصينية بحسرة، هي اللي كانت متعودة على الدليفري والأكل الغالي، بس الجوع والكسرة خلوها تمد إيدها وتاكل وهي ساكتة.
قعدنا يومين في هدوء تام. كاريمان كانت بتصحى تنظف الشقة، تغسل المواعين، وتعمل اللقمة من غير ما تفتح بقها بنص كلمة عن وليد أو المشاكل. بدأت أحس إنها يمكن تفوق، يمكن البعد عن وليد يرجع لي بنتي كاريمان بتاعة زمان اللي كانت بتقول يأختي وياما.
لكن الهدوء ده مكدبش كتير.
يوم التلات بعد العصر، الحارة اتقلبت. صوت كلاكيس عربيات وزعيق وشتيمة طالعة لحد الدور الثالث. بصيت من البلكونة لقيت وليد، ومعاه اتنين رجالة شكلهم مش مريح، وواقفين تحت البيت بيزعقوا بعلو صوتهم انزلي يا كاريمان! انزلي يا بنت فايزة بدل ما أهد البيت ده على اللي فيه! طالعة تعملي شريفة وبنت ناس بعد ما خربتوا بيتي؟
الناس في الشارع بدأت تتجمع، وأم أحمد جارتي طلعت تجري عليا الحقي يا حاجة فايزة، الراجل اتجنن وجايب معاه بلطجية وشكله ناوي على شر.
كاريمان كانت واقفة ورايا في الصالة، جسمها كله بيترعش ووشها جايب ألوان. بصتلي
وهي مرعوبة وقالت ماما.. أنا خايفة.. ده ممكن يقتلني.. هو اتهان في وسط ناسه وعايز يفرغ غله فينا.
لقيت نفسي فجأة مش خايفة. الست اللي شقيت 41 سنة في البوستة وواجهت الدنيا لوحدها، مفيش عيل صايع يخوفها.
قلت لكاريمان ادخلي جوة واقفيلي الباب عليكي.
طلعت البلكونة وبصيتله بكل برود وقلت بصوت قوي سمع الشارع كله جرى إيه يا وليد؟ إنت ناسي نفسك واقف في حارة مين؟ ده إحنا في شبرا يا عمر، والرجالة هنا بتوزن بلد. لو فكرت ترفع عينك في بلكونتي تاني، هخلي رجالة الحارة يوجبوا معاك أحلى واجب.
وليد زعق بغل أنا عايز مراتي يا حاجّة! وعايز حقي! إنتي سحبتي الضمان وخليتي البنك يحجز على مالي وعربيتي! انزليلي هنا وإلا هكسر باب الشقة!
في اللحظة دي، نزلت الكلمة عليه زي الصاعقة لما قلتله مراتها جوة ومش خارجة، وأما عن الشقة اللي عينك عليها وجايب ناس تكسر بابها، أحب أقولك للحارة كلها سامعة.. الشقة دي مابقتش ملكي ولا ملك بنتك.. الشقة دي مبيعة بعقد مسجل في الشهر العقاري لدار أيتام مصطفى محمود، والورق معاهم، يعني لو هببت ولمست طوبة منها، إنت بتقف قدام حكومة ومؤسسة مش قدام وليّة كبرت وعجزت.
وليد وشه اتخطف، والرجالة اللي معاه بصوا لبعض، وبدأوا يتراجعوا خطوتين لورا. واحد منهم
هبش وليد من كتفه وقاله جرى
تم نسخ الرابط