براد استلستين حكايات روز أمين

لمحة نيوز

دخلت مكتب أستاذ عادل المحامي، حاطة في إيدي الملف الأخضر اللي كان جوزي الله يرحمه كاتب عليه كاريمان ووليد.
أستاذ عادل بص في وشي، من غير ما يسأل ولا كلمة، سحب ورقة وقلم وقالي خير يا حاجّة فايزة، قوليلي إيه اللي مضايقك وعايزة تغيريه في ورقك؟
قعدت وحطيت الملف على مكتبه، وقلتله بقلب مابقاش فيه مكان للوجع عايزة أشيل اسم بنتي من كل حاجة.. الشقة، المعاش، التوكيل العام.. مش عايزة يبقى لها صلة بيا لا في حياتي ولا بعد مماتي.
أستاذ عادل نزل نظارته وبصلي بذهول بنتك كاريمان؟ ده إنتي كنتي بتقولي دي النفس اللي بطالع بيه في الدنيا بعد المرحوم!
ضحكت بمرارة وقلتله النفس ده طلع حامي أوي وحرقني يا أستاذ عادل. اللي يبيع أمه عشان مصلحته، ملوش مكان في حياتها.
مضيت على كل الأوراق، غيرت التوكيل، وكتبت الشقة بيع وشراء لدار أيتام ييجوا يستلموها بعد عمري طويل، عشان مفيش مليم واحد يروح للي ما صانش اللقمة والدم.
رجعت بيتي في شبرا، قعدت في الصالة لوحدي، البيت كان هادي بس لأول مرة مكنتش حاسة بالوحدة.. كنت حاسة بنظافة. شلت صور كاريمان وجوزها من على البوفيه، وحطيتها في قاع الدولاب.
عدى أسبوع.. وأسبوعين.. وشهر. عملت عملية المية البيضاء لوحدي، جارتي أم أحمد هي اللي وقفت معايا

وودتني وجابتني، وعملت لي لقمة أكلها. وبنتي؟ ولا رنة تليفون، ولا حتى رسالة يطمنوا فيها أنا عشت ولا ميتة. كانوا فاكرين إن لوي الدراع ده هيجيبني راكعة اعتذرلهم عشان أشوف عيالها.
لحد ما جه اليوم اللي الدنيا دارت فيه دورتها.
الساعة كانت 7 الصبح، لقيت الباب بيترزع بعنف وقلة أدب.. رزع ورا بعضه كأن البيت بيقع. قمت مخضوضة، فتحت الباب لقيت وليد جوزها واقف، وشة أصفر زي الليمونة، عرقان وهدومه مبهدلة، وعينيه طالع منها شرار.
بصيتله ببرود وقلتله خير يا أستاذ وليد؟ في حد يخبط على الولايا بالمنظر ده الصبح؟
زعق وهو بيزق الباب وبيدخل الصالة إيه اللي إنتي عملتيه ده يا حاجّة؟ إنتي خربتي بيتنا! البنك لسه مكلمني، القرض اللي كنتي ضامنة فية عربية الشغل وتوسعات المكتب اتلغى، والبنك بيطالبني ب 200 ألف جنيه كاش فوراً وإلا الحجز هيشتغل! إزاي تسحبي ضمانتك وتلغي التوكيل من ورايا؟
وقفت بكل ثبات، ربعت إيدي وقلتله أصل النمط بتاع العيلة مابقاش عاجبني يا وليد بيه.. مش ده كلامكم؟ قلتوا إن علاقتنا مادية وتجارية، وأنا لقيت إن المشروع ده بيخسرني، فقررت أقفل الحساب وأصفي البضاعة.
دخلت كاريمان وراه وهي بتعيط وتلطم على خدودها يا ماما حرام عليكي! هتشمتي فينا الناس؟ وليد هيتحبس ومستقبله
هيضيع! عشان خاطر عيالي، عشان خاطر سجدة ويسين!
بصيت في عينيها، ملقيتش فيهم دموع ندم عليا.. لقيت دموع خوف على الفلوس والمظاهر.
قلت لها ومن كل قلبي ولادك على عيني وراسي، لكن إنتي وجوزك برة حياتي. الفلوس اللي كنت بدفعها والدم اللي كنت بمصه من عافيتي عشانكم، خلاص بح.. والباب اللي اتقفل في وشي وأنا جاية أصالحكم، ملوش مفتاح تاني عندي.. اتفضلوا برة بيتي، ومشوفش وشكم هنا تاني.
وليد شدها من إيدها وهو بيبرطم ويهدد هتندمي يا حاجّة.. بككرة تكبري وتعجزي ومتلاقيش اللي يناولك بق المية.
ضحكت بصوت عالي وسامعاه وهو نازل على السلم وقلتله المية اللي تجيلي منكم طفح.. وأنا رويت نفسي بنفسي خلاص.
قفلت الباب وراهم بالمفتاح والترباس. البيت رجع هادي تاني. رحت المطبخ، حطيت البراد السلستين على العين الصغيرة، ووقفت مستنية الشاي يتعمل.. والمرة دي، قعدت على كرسي السفرة بكل راحة، وأنا شايفة الدنيا بوضوح، من غير مية بيضاء.. ومن غير غشاوة طيبة زيادة عن اللزوم.
نزلوا هما الاتنين، ورزعوا باب المدخل وراهم بقوة هزت العمارة كلها.
رجعت الصالة، البيت فضي فجأة بس المرة دي الفراغ مكنش بيخوف، كان مريح. بصيت على البراد السلستين وهو بيغلي على البوتاجاز، طفيت النار وعملت كوباية الشاي السادة،
وقعدت في البلكونة وبصيت على الشارع. الشمس كانت لسه بتشقشق في سماء شبرا، والناس نازلة تسعى على أكل عيشها.
فات يومين، والتليفون مابطلش رن. مش كاريمان ولا جوزها طبعاً، دي كانت الحاجة ميرفت أخت جوزي الله يرحمه. كانت مكلماني وصوتها لعلع في السمعة إيه يا فايزة اللي سمعته ده؟ بقى تخربي بيت بنتك والبنك يحجز على عربية جوزها عشان خاطر خروجة ولا فسحة؟ ده ضناكِ يا فايزة، الأم بتشيل وتحط وتستحمل!
أنا ماردتش بعصبية. النفس الحامي اللي كان فيا زمان اطفى.
قلت لها ببرود يا أم أحمد، اللي إيديه في المية الساقعة مش زي اللي إيديه في النار. بنتك لما قفلت بابها في وشي وقالتلي إنتي بتفضلي نفسك على عيالك، مكنتش بتفسح، كنت بعمل عملية في عيني عشان أشوفهم بيها. الفلوس فلوسي، والضمان ضماني، وأنا شلت إيدي. روحي ادفعي لهم إنتي ال 200 ألف لو صعبانين عليكي. وقبل ما ترد، قفلت السكة في وشها.
بعدها بأسبوع، جارتي أم أحمد خبطت عليا، كانت جايبة لي طبق محشي سخن يرم العضم. قعدت معايا وقالتلي بشويش بقولك إيه يا حاجة فايزة.. أنا شفت وليد جوز كاريمان واقف تحت البيت مع واد من بتوع الورش، وكان عمال يبص على بلكونتك ويتوشوشوا.. خدي بالك، الراجل ده عينيه مش سلكة، والفلوس بتعمي النفوس.
كلام
أم أحمد نقح في قلبي.
تم نسخ الرابط