زرار الامان حكايات روز أمين
عمر قعد في ديسكه، طلع كشكول العربي والقلم، وبدأ يكتب وعينيه كل شوية تروح على الجاكيت الأصفر المتعلق ورا مكتب أستاذة فريدة. الفصل كله كان هادي، ومفيش غير صوت أقلام العيال وهي بتتحرك على الورق.
عمر كتب في نص السطر: "الشجاعة مش إني ما أخافش".
وبدأ يكتب بأسلوبه البسيط: "أنا كنت فاكر إن الشجاع ده بطل خارق مش بيخاف من حاجة، وكنت بزعل من نفسي لما بخاف من صوت الرعد والمطر. بس لما شفت الجاكيت الأصفر، وعرفت قصة طنط مارثا، وفهمت كلام أستاذ زياد، عرفت إن الشجاعة هي إنك تكون خايف بجد، بس تختار تحمي اللي بتحبهم. الشجاعة هي الضهر اللي بيقف بيننا وبين العاصفة عشان يحمينا".
أستاذة فريدة كانت بتلف بين الديسكات، ولما وقفت ورا عمر وقرت اللي كاتبه، عينيها دمعت من الفرحة. الواد اللي كان بيحط إيديه على ودانه ويبص للأرض وقت الخوف، بقى فاهم الشجاعة أحسن من مسؤولي الإدارة كلهم.
في نفس الوقت، برا الفصل، المدير المالي "أستاذ توفيق"
توفيق تنهد وحط إيديه في جيوبه وقال: "أنا أول مرة أحس إن اللوائح والقوانين ممكن تكون عمية وعقيمة للدرجة دي. إحنا كنا هنشيل أهم درس في المدرسة دي بداعي 'الحفاظ على مشاعر الطلاب'".
دكتورة لينا هزت راسها وقالت: "العيال دي مش محتاجة حماية من الواقع، محتاجة تتعلم إزاي تواجهه. الجاكيت ده عمل في خمس دقائق اللي أنا مكنتش هعرف أعمله في جلسات دعم نفسي لشهور".
بعد المدرسة ما خلصت، عمر وهو خارج مع والدته، لقى زياد واقف مستنيه برا عند البوابة. زياد مكنش جاي بصفته البطل اللي اتنشرت قصته في الجرايد، كان جاي يطمن على صاحبه الصغير.
عمر جري عليه وسلم عليه بحماس. زياد وطى وفتح إيده، ووراله الزرار الأصفر الصغير اللي في كفه وقال له: "عمر.. أنا عايزك تخلي ده معاك".
عمر عينيه وسعت من المفاجأة: "بس ده بتاع طنط مارثا! ده أغلى حاجة
زياد ابتسم وحط الزرار في إيد عمر وقفل عليها: "الزرار ده لف معايا في كل الأيام الصعبة، ودلوقتي جه الوقت اللي يسندك أنت. كل ما تسمع صوت مطر أو رعد، حط إيدك عليه وافتكر إنك شجاع، وإن العاصفة دايماً بتمشي والشمس بترجع تطلع".
عمر مسك الزرار جامد وحطه في جيبه، وبص لزياد وقال له: "شكراً يا أستاذ زياد.. أنا عمري ما هنسى الجاكيت الأصفر".
مرت عشر سنين كاملين على اليوم ده.
عمر مكنش بقى الطالب الخايف اللي بيبص في الأرض؛ بقى شاب عنده تمنتاشر سنة، واقف بثقة وفارد ظهره في طابور التخرج بتاع ثانوية عامة في حوش المدرسة.
الحوش كان مليان أهالي، والزينة في كل مكان، والبهجة مالية الوشوش. فريدة كانت واقفت مع المدرسين، عينيها مليانة فخر وهي شايفه جيل كامل كبر تحت عينيها. الجاكيت الأصفر كان لسه في مكانه في الفصل، بس المدرسة كلها اتغيرت بعد اليوم ده، وبقت بتهتم ببناء البني آدم قبل المناهج.
لما جه وقت كلمة أوائل الخريجين،
عمر طلع على المنصة، مسك الميكروفون، وبص للناس كلها. وسط الزحمة، عينه لقطت راجل واقف ورا خالص، لابس لبس شغل وجزمته عليها طين خفيف.. كان زياد، جه مخصوص عشان يشوف الواد الصغير اللي سنده زمان وهو بيبدأ رحلته الجديدة في الحياة.
عمر حط إيده في جيبه، ولمس الزرار الأصفر الصغير اللي لسه معاه ومفارقهوش ولا يوم، وأخد نفس طويل وقال:
"أنا عايز أشكر مدرستنا، مش بس عشان علمونا القراءة والكتابة، لكن عشان علمونا يعني إيه شجاعة وأمان. علمونا إن العاصفة لما بتيجي، مش الشاطر هو اللي بيستخبى ويسيب غيره، الشاطر هو اللي بيقوى بغيره وبيكون ظهر وسند للي جنبه. أنا بهدي تخرجي ده لطنط مارثا، وللجاكيت الأصفر اللي علمني إن الشجاعة الحقيقية هي إنك تحمي اللي بتحبهم وتعيش حياتك بجد وبعطاء".
الحوش كله انفجر بالصقفة والزغاريط، وأستاذة فريدة دموعها نزلت من التأثر. زياد من بعيد ابتسم وهز راسه لعمر، وكأنه بيقوله: "أمانتك
تمت