زرار الامان حكايات روز أمين

لمحة نيوز

صفارات الإنذار ضربت في نفس اللحظة. صوتها سرى في القاعة زي الكهربا، طويل ومستمر ويدخل في العضم.
الناس كلها اتنفضت من أماكنها. الكراسي اتهزت، والأهالي بدؤوا يتلفتوا حوالين نفسهم برعب، والدكاترة والمسؤولين اللي كانوا قاعدين ورا المنصة ملامحهم اتغيرت في ثانية. الكل نسى الخناقة، ونسى المعركة القانونية، ونسى الجاكيت. الخوف رجع سيطر على المكان.
زياد (إياد) بص بسرعة على عمر (يوسف). الواد الصغير كان حاطط إيديه على ودانه، وبدأ يترعش وعينيه مليانة دموع، باصص للأرض وبيتمنى الصوت يختف ي.
زياد ما ترددش ثانية. نزل من على المنصة بخطوات واسعة وثابتة، ومشى في الممر لحد ما وصل عند عمر. وطى على ركبه قدامه عشان يبقى في نفس مستوى عينيه،

ومسك إيديه براحة ونزلها من على ودانه.
الدنيا حواليهم كانت جايصة، والناس بتتحرك عشوائي، بس الحتة اللي واقفين فيها كانت زي ما تكون معزولة عن العالم.
زياد بص في عيون عمر وقال بصوت قوي وهادي: "عمر.. بصلي هنا. سامع الصوت ده؟ ده مجرد إنذار، ده مش الإعصار نفسه. فاكر أنا قلتلك إيه من دقيقة؟ الجاكيت الأصفر لسه موجود، والناس اللي بتخاف على بعضها لسه موجودة. طول ما إحنا واقفين مع بعض، مفيش عاصفة هتقدر علينا".
عمر خد نفس طويل، وبدأ يهدأ والرشعة اللي في جسمه تقل. لأول مرة، عينيه ما راحتش للأرض، فضلت باصة في عيون زياد بثقة.
في اللحظة دي، رئيس مجلس الإدارة مسك الميكروفون وصوته كان بيترعش شوية وهو بيقول: "يا جماعة، لو سمحتوا اهدوا.
. ده مجرد تدريب دوري من الحماية المدنية، مفيش خطر حقيقي، مفيش إعصار".
القاعة بدأت تهدأ تدريجيًا، والأنفاس المكتومة بدأت تطلع. الناس بدأت تقعد تاني في أماكنها، بس نظرتهم للموقف كله اتغيرت. الرعب اللي عاشوه في الكام ثانية دول، خلاهم يفهموا يعني إيه إعصار، ويعني إيه حد يقف بظهره يحميك منه.
زياد وقف تاني، وبص لمسؤولي الإدارة اللي كانوا وشوشهم جايبة ألوان، وقالهم ويده لسه مقفولة على الزرار الأصفر الصغير: "الخوف حقيقي، ومقدرش أمنعه عن العيال دي. بس الجاكيت ده مش بيعلق الخوف على الحيطة.. ده بيعلق الأمان. بيعرفهم إنهم مش لوحدهم".
رئيس المجلس بص للمدير المالي ومديرة الدعم النفسي، ومحدش فيهم نطق بكلمة. الورق اللي في إيديهم
بقى ملوش قيمة.
الرئيس اتنحنح وقال وصوته عالي وسامعه كل اللي في القاعة: "المجلس قرر سحب قرار الإزالة فورًا. الجاكيت الأصفر هيفضل في مكانه على حيطة الفصل.. كرمز للشجاعة والأمان".
القاعة كلها صقفت، والناس بدأت تقف وتسلم على زياد وعلى أستاذة فريدة.
ثاني يوم الصبح، أستاذة فريدة دخلت الفصل. الشمس كانت طالعة ونورها ضرب في البرواز الزجاجي اللي جواه الجاكيت الأصفر القديم.
العيال دخلوا ووراهم عمر. عمر ما بقاش يبص للأرض وهو داخل. وقف قدام الجاكيت، ورفع راسه لفوق، وبص للبقع والقطع اللي فيه، ولأول مرة يبتسم.
فريدة راحت وقفت جنبه وسألته: "جاهز تكتب عن الشجاعة يا عمر؟"
عمر بص لها وهز راسه وقال: "جاهز يا أستاذة فريدة.. أنا عرفت
هكتب عن إيه".

تم نسخ الرابط